ابن قيم الجوزية
213
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
سيما بمجموعها . فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار . وأما كفر النفاق : فهو أن يظهر بلسانه الإيمان ، وينطوي بقلبه على التكذيب . فهذا هو النفاق الأكبر . وسيأتي بيان أقسامه إن شاء اللّه تعالى . كفر الجحود وكفر الجحود نوعان : كفر مطلق عام ، وكفر مقيد خاص . فالمطلق : أن يجحد جملة ما أنزله اللّه ، وإرساله الرسول . والخاص المقيد : أن يجحد فرضا من فروض الإسلام ، أو تحريم محرم من محرماته ، أو صفة وصف اللّه بها نفسه ، أو خبرا أخبر اللّه به عمدا ، أو تقديما لقول من خالفه عليه لغرض من الأغراض . وأما جحد ذلك جهلا ، أو تأويلا يعذر فيه صاحبه : فلا يكفر صاحبه به ، كحديث الذي جحد قدرة اللّه عليه ، وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح ، ومع هذا فقد غفر اللّه له ، ورحمه لجهله ، إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه ، ولم يجحد قدرة اللّه على إعادته عنادا أو تكذيبا . الشرك وأما الشرك ، فهو نوعان : أكبر وأصغر . فالأكبر : لا يغفره اللّه إلا بالتوبة منه . وهو أن يتخذ من دون اللّه ندّا ، يحبه كما يحب اللّه . وهو الشرك الذي تضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين . ولهذا قالوا لآلهتهم في النار تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 97 ) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 98 ) [ الشّعراء : 97 ، 98 ] مع إقرارهم بأن اللّه وحده خالق كل شيء ، وربه ومليكه ، وأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ، ولا تحيي ولا تميت . وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة « 1 » كما هو حال أكثر مشركي العالم ، بل كلهم . يحبون معبوداتهم ويعظمونها ويوالونها من دون اللّه . وكثير منهم - بل أكثرهم - يحبون آلهتهم أعظم من محبة اللّه . ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر اللّه وحده . ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم - من المشايخ - أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين . وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب الليث . إذا حرد . وإذا انتهكت حرمات اللّه لم يغضبوا لها ، بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا رضوا عنه . ولم تتنكر له قلوبهم . وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة . وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون اللّه على لسانه ديدنا له إن قام وإن قعد . وإن عثر وإن مرض وإن استوحش . فذكر إلهه ومعبوده من دون اللّه هو الغالب على قلبه ولسانه . وهو لا ينكر ذلك . ويزعم أنه باب حاجته إلى اللّه ، وشفيعه عنده . ووسيلته إليه . وهكذا كان عباد الأصنام سواء . وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم ، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم . فأولئك كانت آلهتهم من الحجر « 2 » وغيرهم اتخذوها من البشر . قال اللّه
--> ( 1 ) وكذلك اتخذوهم أربابا يشرعون لهم من الأعياد ، ومناسك القبور ، وتقديس الموتى وعبادة الطواغيت . فأحبوهم من جنس حب المؤمن للّه . وعظموا أراءهم أعظم من شرائع اللّه رب العالمين . ( 2 ) هذا عجيب من الشيخ ابن القيم رحمه اللّه : فإنه قرر في كتابه « إغاثة اللهفان » وغيره من كتبه : أن آلهتهم -